محمد ابو زهره
723
خاتم النبيين ( ص )
فالعلاج إن لم يكن حاسما للفتنة ، فهو مانع من أن تتأجج نيرانها ، ذلك أن الفتن إذا عرضت للنفوس ، وتبادلتها الأقوال ، ورددتها الألسنة يكثر القول الذي يلهبها ، وإطفاؤها أو تخفيفها يمنع ترديدها ، وشغل الناس بغيرها . فكان الأمر بالرحيل شغلا للناس عنها . جاء عبد اللّه بن أبي بن سلول إلى رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ينفى ما نسب إليه ، لأن المنافق يستتر دائما ، ويمنع أن ينكشف ، فإذا بدا بعض أمره حاول إعادة ستره . قال ساترا كاذبا حالفا : ما قلت ما قال ، ولا تكلمات به . وكان في زعم قومه شريفا عظيما ، فقال بعض من حضر من الأنصار من أصحابه حدبا على ابن أبي ، أو تخفيفا لوقع الأمر ، قال : عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه ، ولم يحفظ ما قال الرجل . ومهما يكن من الأمر فقد عالج النبي الموقف بشغل الناس بالرحيل قبل ميقاته ، حتى لقد قال أسيد بن حضير للنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم : يا نبي اللّه لقد رحت في ساعة مبكرة ما كنت تروح في مثلها . قال رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم : أو ما بلغك ما قاله صاحبكم ؟ قال : وأي صاحب يا رسول اللّه ؟ قال : عبد اللّه بن أبي بن سلول . قال : وما قال ؟ قال زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل . قال : فأنت يا رسول اللّه واللّه تخرجه إن شئت وهو الذليل وأنت العزيز . ثم قال : يا رسول اللّه ، ارفق به ، فو اللّه لقد جاءنا اللّه بك ، وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه ، فإنه ليرى أنك قد استلبت منه ملكا . مشى رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم حتى أمسى ، وليلتهم حتى أصبح ، وصار في صدر ذلك اليوم الثاني حتى آذتهم الشمس . ويقول في تعليل ذلك ابن إسحاق : وإنما فعل ذلك رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس . إنه عندما نزل رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم بعد أن آذتهم الشمس ، ومست جنوبهم الأرض حتى ناموا .